عبد الملك الجويني
421
نهاية المطلب في دراية المذهب
ثم اختلف قوله فيه ، فقال مرة : لا بدَّ من مضي شهرين ، وقال مرة : أربعين يوماً ، أو خمسين ، وقال مرة : أربعة أشهر ( 1 ) . ونحن لا نرعى شيئاً من ذلك ، ونُصغي إلى البينة ، ونقضي بها من غير تأخير . 4039 - ثم نتكلّم وراءَ ذلك فيما يتعلق بحق الشاهد وتحمّله ، ونذكر بعده نظرَ القاضي في أحوال الشهود على الإعسار . فأما الشاهد ، فلا يحل له أن يشهد على الإعسار بظاهر الحال ؛ فإن الأموال في وضع الجبلات تخفَى ولا تظهر ، هذا حكم العادة الغالبة ، فليبحث من يتحمل هذه الشهادةَ عن الباطن ولْيسبُر حالَ المشهود له ، ولا يخفى طريق البحث في كل باب على الخبير . هذا قولنا في الشاهد . 4040 - فأمّا الكلام في نظر القاضي ، فقد قال الشافعي : لا ينبغي له أن يقبل هذه الشهادة إلا من أهل الخبرة الباطنة ؛ والسَّبب فيما افتتحناه من ذلك أن مستند الشهادة على الإعسار النفيُ ، ولو جرينا على قياس الشهادات ، لم نقبلها ، فإن النافي لا يكون مثبتاً ، ولا يستمكن من ادعاء العلم بالنفي . ولهذه الشهادة نظائر : منها الشهادة على أن لا وارث للمتوفَّى سوى من حضر ، وهذه الشهادة متعلقة بالنفي ، مقبولةٌ من أهل الخبرة الباطنة ، ومنها الشهادة على تعديل الشهود ؛ فإن متضمنها نفيُ الأسباب المخرجة عن العدالة ، ويلزم قبول هذه الشهادات ، ولا مستند لها إلى اليقين قطعاً ، للضرورةِ ، ومسيسِ الحاجة ؛ فإن تخليد الحبس ، وتأبيد وقف الميراث محال ، والتعديلُ عماد القضاء ، ولا يتصور فيه إلا المسلك الذي ذكرنا ، فيلتحق عندنا بما ذكرناه الشهادةُ على الأملاك ؛ فإنها لا تنتهي إلى يقين قطّ ، وإنّما غايتها بناء الأمر على ظواهرَ يصفها العلماء ، من اليد ، والتصرف ، وغيرهما . ولكن لا بد من الاكتفاء بما ذكرناه ؛ إذ الحاجةُ ماسة ، ومنتهى الإمكان ما أشرنا إليه ، فكأنّا نشترط استنادَ الشهادة إلى اليقين فيما يمكن اليقين فيه ، كالأقوال ، والأفعال التي يتعلق بها الحواس .
--> ( 1 ) ر . مختصر الطحاوي : 96 ، والاختيار : 2 / 90 .